الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي

29

حاشية المكاسب

حينئذ أن يقال حتى لا يشتري بشيء فيه غش هذا مع أن في بعض النّسخ حتى لا يباع شيء فيه غشّ من غير خافض وعليه يكون الأمر أوضح قوله قدس سره ثم إنّ ظاهر الأخبار هو كون الغش بما يخفى الكلام في الغشّ يقع في مقامات ثلاث الأوّل في تحقيق موضوعه الثّاني في حكمه تكليفا الثالث في حكمه وضعا يعني في صحّة المعاملات الَّتي غشّ فيها وفسادها أمّا الكلام في موضوع الغش فاعلم أنّ الغشّ في هذه الأخبار يتضمن أمور أربعة يجمعها هذه العبارة الغش ستر ما لا يرغب فيه فيما يرغب فيه طلبا للزيادة في المعاملة فما لم يكن ستر لم يكن غشّ يعني إذا كان الجنسان كلاهما ظاهرين بارزين للمشتري كالشعير الممزوج بالحنطة لم يكن غش نعم لا يعتبر في السّتر أن ينحصر طريق معرفته بإخبار البائع فإن أكثر أفراد الغش يعرف بتدقيق النّظر بل لا غش إلَّا ويعرفه أولي الفطانة خصوصا ممّن شغلهم الغش وإنّما العبرة في السّتر على ما لا يظهر في متعارف الاختيار ومتعارف الاختيار يختلف في الأشياء ففي صبرة الحنطة ينظر إلى ظاهر الصّبرة فإذا جعل الرّدي في باطنها كان ذلك غشا ومن ذلك مورد رواية سعد وأيضا ما لم يكن المستور أردأ من غير المستور لم يكن غش فإذا ستر الأجود في الجيّد أو الجيّد في الرّدي أو أحد المتساويين في صاحبه لم يكن كلّ ذلك غشّا وهذا مضافا إلى أنه المتفاهم العرفي من الغش ظاهر من الأخبار أيضا وأيضا ما لم يكن هذا في المعاملة لم يكن غشّا مشمولا للأخبار فلو أضاف وسقى في ضيافته لبنا ممزوجا وأطعم أرزا مغشوشا لم يكن بذلك بأس نعم لو أخبر ولو بفعله عن الخلوص حرم بعنوان الكذب وأيضا ما لم يكن طلبا للزيادة في الثّمن لم يكن به بأس فلو وهب لبنا ممزوجا أو باعه بقيمة الماء أو بقيمة اللبن الممزوج كان كلّ ذلك خارجا عن مصبّ الأخبار والمتيقّن المستفاد حكمه من الأخبار هو الغشّ المشتمل على القيود الأربعة الَّتي أشرنا إليها وأمّا الكلام في حكم الغش تكليفا فالَّذي يظهر لي من الأخبار أنّ الغش بنفسه وبعنوانه ليس محرّما من المحرّمات وإنّما يحرم بعنوان أنّه كذب وأيضا يحرم بما أنه أكل للمال بلا رضى صاحبه فكان الغش جزئيا من جزئيات التصرف في ملك الغير بلا رضاه وهذا الَّذي قلناه مع أنّه المنساق من الأخبار يظهر بالسير والتأمّل أيضا إذ لولا أنّ المحرّم هو ما ذكرناه فإمّا أن يكون المحرّم هو شوب اللَّبن بالماء فمن المعلوم أنّ شوب اللَّبن بالماء ليس بحرام أو يكون المحرّم هو عرض المشوب على البيع ومن المعلوم أنّ مجرّد العرض ليس بحرام حتى إذا اتّفق أن لم يبع أو يكون المحرّم هو إنشاء البيع ومن المعلوم أنّ مجرّد الإنشاء ليس بحرام لو نبّه بالغش قبل أن يقبض أو حطَّ من ثمنه أو أبرأ ذمّته من الثمن أو خيّره بين الأخذ والتّرك فيتعيّن أن يكون الغش هو أخذ قيمة غير المغشوش بإزاء المغشوش وكان هذا هو المحرّم وهو الَّذي دلَّت الأخبار على تحريمه فكانت الأخبار أدلَّة على الفساد دون الحرمة التكليفيّة فإنّ حرمة التصرف في الثمن شأن المعاملة الفاسدة وقد يستدل على الفساد بوجوه ضعيفة أشار إليها المصنّف عمدتها هو أنّ العقد تعلَّق بالمبيع بعنوان أنّه غير مغشوش لا بذات المبيع بأيّ عنوان كان فإذا ظهر الغشّ فقد ظهر أن لا وجود للمبيع وما له الوجود ليس هو المبيع وهذه شبهة سيّالة في كثير من الفروع الفقهيّة منها ما لو أعطى شخصا بعنوان أنه فقير أو هاشمي أو عالم وهو ليس كذلك في الواقع ومنها ما لو ائتم بشخص بعنوان أنّه زيد فبان أنه عمرو منها ما لو باع بعنوان أنّه فرس فبان أنّه حمار ومنها كل معاملة وقعت على الشيء بعنوان أنه صحيح فبان أنه معيب وكذلك موارد خيار الرّؤية وخيار الغبن وبيع الغاصب لنفسه وكليّة باب التجرّي إلى غير ذلك والحقّ أنّ الشخص إذا اعتقد بصلاح أمر على وجه الكبرى الكليّة فاعتقاده هذا يبعثه ويحركه إلى ما يعتقده صغرى لتلك الكبرى ولا يغني باختياريّة الفعل إلَّا كونه صادرا عن مبدأ العلم بالصّلاح سواء كان مخطئا في علمه أو مصيبا وسواء كان مخطئا في اعتقاد فرديّة ما انبعث إليه أو مصيبا فكما أنّ الحركة الخارجيّة نحو هذا الَّذي اعتقد فرديّته كذلك الاختيار متعلَّق بهذا الَّذي اعتقد فرديته فهو مشتر لهذا وإن كان مغشوشا ومعط لهذا وإن كان غنيا أو جاهلا أو غير هاشميّ إلى غير ذلك وليس العنوان الَّذي أعتقده موجبا لتقييد متعلق إرادته فيكون مشتريا لهذا الغير المغشوش ومعطيا لهذا الفقير حتى لو ظهر الغش والغنى بطلت المعاملة في الأوّل والتمليك في الثاني فلا يدخل تحت الإرادة شيء وراء الخارج كما لا يدخل تحت الفعل الحسيّ والحركة الخارجيّة شيء وراء الخارج فالحركة نحو الخارج وهذه الحركة إراديّة منبعثة عن اعتقاد الصّلاح فكانت الإرادة نحو الخارج وقد أغرب من أنكر اختياريّة الفعل في باب التجرّي زعما بأنّ ما تعلَّقت به الإرادة وهي الخمر لم يشربه وما شربه وهو الخلّ لم تتعلَّق به الإرادة وهو باطل بما قلناه من أنّ الإرادة والاختيار متعلَّقة بالفعل والفعل متوجّه إلى الخارج واعتقاد الخمريّة مولد للإرادة بلا دخل عنوان الخمرية تحت الإرادة وكلّ أفعالنا بالغدوّ والآصال فهي جارية على الخارجيات منبعثة من عقائدنا فيها ومن أجل ذلك هي اختياريّة كنّا أصبنا في اعتقادنا في كبرى اعتقدناها وصغرى طبّقناها أم أخطئنا فيهما أو في إحداهما وعلى ذلك لم يكن إشكال في شيء من الفروع المتقدّمة ونظائرها ومنها المقام فكان البيع واقعا إلى المغشوش الخارجي نعم اعتقادنا عدم الغش دعانا إلى إيقاع المعاملة على المغشوش الخارجي فالمعاملة واقعة على الخارج ومتّصفة بالصّحة نعم لا مضايقة من القول بالخيار بشيء من العناوين الَّتي أشار إليها المصنّف في آخر المبحث قوله قدس سره ومقتضى هذه الرواية بل رواية الحلبي نعم هو كذلك لا يعتبر في حرمة الغش ولا في موضوعه أن لا يعرف إلَّا من قبل البائع وإلَّا لم يتحقّق غش إذ ما من غشّ إلَّا ويعرفه غير البائع ولا أقل يعرفه من شغله مثل ذلك الغش وإنّما المعتبر أن يخفى في متعارف الاختيار ومتعارف الاختيار يختلف مداليله في الأشياء ففي الصبرة لا يتجسس في المتعارف عن باطنها فإذا كان باطنها على خلاف ظاهرها كان ذلك غشّا فلا وجه للتّأويل في الرّوايات مع أنّ ما تأوّل به الأخبار غير مجد إذا لم يكن موضوع الغش حاصلا فإنّ تعمّد الغش برجاء التباس الأمر على المشتري ليس غشّا ولا محرّما إذا كان الغش بارزا وإذا لم يكن الغش بارزا لم يحتج في الاتّصاف بالحرمة إلى التعمّد بل كفى إتيان المغشوش ولو بفعل غيره في عرضة البيع قوله قدس سره ويمكن أن يمنع صدق الأخبار لا يمكن منع صدق الأخبار فإن إطلاق الأخبار يشمل ما إذا كان الغش بفعله أو بفعل غيره لغرض تلبيس الأمر على الغير أو لا لهذا الغرض وإنّما مناط الغش حصول الالتباس فإذا علم بذلك حرم عليه ذلك ووجب تنبيه المشتري على ما خفي ولا يكفي مجرّد السّكوت وعدم إظهار سلامة المبيع نعم لا يبعد ارتفاع الغش بقوله عليك بالتفتيش والأخبار فلعلَّه غشّ فيه لكن هذا المقدار إن كان نافعا ففي رفع الحكم التكليفي نافع أعني حرمة الغش لا في رفع الخيار فإنّ الخيار يثبت حتّى مع جهل البائع بالغش قوله قدس سره نعم يحرم عليه إظهار ما يدل إنّما يحرم عليه ذلك بعنوان المكذب وإلَّا فالغش لا يتوقّف على ذلك بل كفى التعريض بالبيع على من يخفى عليه ذلك هذا إذا كان المراد من الإظهار مجرّد الإظهار كما قد يصدر ذلك من غير البائع أيضا أمّا إذا كان المراد منه اشتراط الصحّة والسّلامة كما يصرّح به بعد هذا فلا يبعد أن يكون ذلك في قوّة جعل الخيار لدى التخلَّف ومن أجله يكون رافعا للغش وما يتراءى من الغش فذلك من جهة إيهام الاشتراط المذكور للصّحة لا من جهة أنّ الشّرط موجب للغش فإنّه إن لم يرفعه لم يوجبه قوله قدس سره فالعبرة في الحرمة قصد تلبيس الأمر يتحقق بدفع العين المغشوشة إلى المشتري عالما بالغش بلا إعلامه كان الغش بفعله أم بفعل غيره قوله قدس سره وفي التفصيل المذكور في رواية الحلبي التفصيل المذكور في رواية الحلبي أجنبيّ عن هذا وإنّما هو تفصيل بين الغش لطلب الزّيادة وبين غير الغش بل إعمال ما يوجب زيادة الرّغبات وصرف